لكِ سيدتي: ما وراء التفكير.. حين تتعلم النساء أن ينظرن إلى تفكيرهن

- Advertisement -

أفكر، إذن أشك في فكرتي

فوزية طالوت المكناسي

على مدى ثمانين سنة، علّمنا الفتيات كيف يفكرن. واليوم، يدفعنا الذكاء الاصطناعي إلى تعليمهن كيف يفكرن في تفكيرهن. إنها الثورة الأكثر حميمية والأكثر نسائية في عصرنا.

المرآة

الصورة هذا الأسبوع لافتة: رجل ينحني أمام مرآة. لكن في المرآة لا يظهر انعكاسه، بل آلة تحدّق فيه. من يراقب من؟ الإنسان أم الآلة؟ هذا هو وجه عصرنا، المعلَّق في مواجهة مذهلة.

في المغرب، خاضت النساء معارك حاسمة من أجل انتزاع حقهن في التفكير المستقل. كانت مليكة الفاسي، المرأة الوحيدة الموقِّعة على وثيقة الاستقلال سنة 1944، رائدة في هذا المسار. والأميرة لالة فاطمة الزهراء، بانخراطها في تعليم الفتيات، فتحت أبواباً جديدة. أما فاطمة المرنيسي، بمفهومها «الحُدود»، فقد كسرت الحواجز الذهنية المفروضة على النساء. وخناتة بنونة، بروايتها الشهيرة «ليسقط الصمت»، منحت صوتاً لمن أراد المجتمع إسكاتهن. جميعهن واصلن هذا الطريق.

منذ إطلاق مجلة فرح سنة 1991، كان نضالنا واضحا: أن نمنح النساء الأدوات ليفكرن بأنفسهن. المدرسة، القانون، الاقتصاد، الثقافة. وقد ربحنا معارك كثيرة.

واليوم، تلوح مرحلة جديدة. لم يعد الأمر يقتصر على «التفكير باستقلالية»، بل أصبح «معرفة كيف نفكر». يسمي علماء النفس ذلك «ما وراء التفكير» أو «الميتاكوجنيشن». ونحن سنسميه ببساطة: فن النظر إلى تفكيرنا.

فهم التفكير: أول فعل للحرية

رائدة أعمال، حرفية في دار المعلمة، طالبة، وزيرة، رئيسة حكومة جديدة، صحافية؛ جميعهن يواجهن الضجيج نفسه: وسائل التواصل الاجتماعي، وآراء الآخرين، والآن الذكاء الاصطناعي الذي يقترح إجابات جاهزة.

المهارة الأولى لم تعد إيجاد الجواب، بل طرح السؤال: لماذا أفكر كما أفكر؟ هل هو نتاج تجربتي؟ هل هو انحياز غُرس فيّ؟ أم هو يقين اجتماعي أو عائلي؟

إنه فعل نسوي بامتياز. فطوال قرون، كان يُملى على النساء ما يفكرن فيه. واليوم، يمكنهن أخيراً مساءلة مصدر أفكارهن.

مساءلة اليقينيات: السقف الزجاجي في العقول

كل واحدة منا تحمل عبارات موروثة: «لست مؤهلة لذلك»، «التكنولوجيا ليست لي»، «لا أستطيع القيادة».

ما وراء التفكير يعلّمنا أن نُساءل هذه العبارات. هل هي صحيحة؟ دقيقة؟ كاملة؟ أم أنها مجرد برنامج قديم لمجتمع أبوي ما زال يعمل في الخلفية؟

الذكاء الاصطناعي، حين يُستخدم بوعي، يصبح حليفا قويا. لا يخبرنا بما نفكر فيه، بل يكشف لنا كيف نفكر. يضيء مناطقنا العمياء، ويجبرنا على مواجهة ما لم نجرؤ على النظر إليه من قبل.

ما وراء التفكير

من أخوات الصفاء إلى مجلة فرح: نفس المسار

في سنة 1947، طالبت أخوات الصفاء بحق الذهاب إلى المدرسة. كانت ثورة معرفية: الحق في أن نتعلم كيف نتعلم.

في سنة 1991، أطلقت مجلة فرح معركة جديدة: أن تمتلك النساء أدوات التفكير المستقل. وفي سنة 2026، تواصل مجلة فرح هذا المسار بإضافة مطلب جديد: الحق في التمييز النقدي.

لم يعد الرهان هو المعرفة، فالمعرفة متاحة ومجانية وفورية. الرهان هو الفرز والتحقق والربط والتطور: نفكر، نُساءل، نتحقق، نفهم، نتطور.

وهذا ما تقوم به مجلة فرح منذ ثلاثة عقود: لا تكتفي بتقديم المعلومة للنساء، بل تمنحهن الأدوات لصياغة حكمهن الخاص.

نعم، أفكر، إذن أشك في فكرتي. وهذه بشرى عظيمة. فالشك في التفكير ليس ضعفاً، بل حرية. إنه رفض أن يفكر رجل أو تقليد أو آلة نيابة عنا.

وإذا كان صنع آلات تفكر معنا سيجبرنا أخيراً على أن نتعلم كيف ننظر إلى تفكيرنا، فستكون تلك أجمل انتصارات بنات أخوات الصفاء، ومليكة الفاسي، والأميرة لالة فاطمة الزهراء، وفاطمة المرنيسي، وخناتة بنونة، وبنات فرح، ونساء مجلة فرح اللواتي يواصلن كتابة تاريخهن الفكري بأيديهن.