تواصل المرأة المغربية توسيع حضورها داخل فضاءات التأثير وصناعة النقاش العمومي، في سياق تحولات اجتماعية ورقمية أعادت رسم ملامح الرأي العام وأدوار الفاعلين فيه. وبين المكتسبات التي تحققت والتحديات التي ما تزال قائمة، يظل سؤال تأثير النساء في القضايا المجتمعية مطروحاً بإلحاح.
في هذا الحوار، تتحدث عواطف حيار، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة السابقة، والخبيرة الدولية في السياسات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية الناجعة والاجتماعية، عن حضور المرأة المغربية في صناعة الرأي العام، والتحديات التي تواجهها، وأدوار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز صوت النساء داخل المجتمع.
كيف تقيّمين حضور المرأة المغربية اليوم في التأثير على الرأي العام داخل المجتمع؟
إن مشاركة المرأة المغربية في بلورة الرأي العام والتاثير علىه شهد تطوراً ملحوظاً، يعكس التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة. فالمرأة المغربية أصبحت حاضرة في مختلف مواقع المسؤولية، ولم يعد هناك مجال يكاد يكون حكراً على الرجال، حيث تشارك في السياسة والإدارة والاقتصاد والإعلام، كما برزت بقوة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
ومن المؤشرات المهمة على هذا التطور أن النساء يشكلن أزيد من 53% بالمئة من الطلبة بالجامعات المغربية وبنسبة مهمة من الكفاءات الهندسية بالمغرب تفوق 46% ، وهي نسبة تعكس المكانة المتقدمة التي أصبحت تحتلها المرأة المغربية في المجالات العلمية والتقنية. كما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في منح النساء فضاءات جديدة للتعبيرعن آرائهن والدفاع عن قضاياهن والمشاركة في توجيه النقاش العمومي، والتأثير فيه.
لكن عندما نتحدث عن تأثير المرأة في الرأي العام، لا يجب أن نختزله فقط في الشخصيات المعروفة أو الحاضرة في الإعلام وفي مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا. فهناك ملايين النساء اللواتي يشتغلن بصمت داخل البيوت، ويقمن بدور لا يقل أهمية عن أي منصب قيادي. فالأمهات المغربيات يساهمن يومياً في تربية وتعليم وتنشئة أكثر من 11 مليون طفل، ويغرسن فيهم القيم والمبادئ والأخلاق التي تشكل مواطني الغد. لذلك، فإن تأثير المرأة المغربية لا يُقاس فقط بما تحققه في الفضاء العام، بل أيضاً بما تبنيه داخل الأسرة، باعتبارها المدرسة الأولى التي تُسهم في تشكيل وعي الأجيال ومستقبل المجتمع.
برأيك، ما أبرز الصعوبات التي ما تزال تواجه النساء من أجل إيصال أصواتهن والتأثير في القضايا المجتمعية؟
من وجهة نظري، ورغم التقدم الكبير الذي حققته المرأة المغربية في مختلف المجالات، فإن هناك بعض الصعوبات التي ما تزال تحد من قدرتها على إيصال صوتها والتأثير الكامل في القضايا المجتمعية. ومن أبرز هذه التحديات استمرار بعض التمثلات الاجتماعية والصور النمطية التي تجعل تقبل آراء المرأة أو مبادراتها أكثر صعوبة، خاصة عندما تدافع عن أفكار جديدة أو تدعو إلى التغيير والابتكار.
ففي كثير من الأحيان، لا يتم التركيز على مضمون الفكرة أو قيمتها المضافة للمجتمع، بقدر ما يتم التركيز على شخصية المرأة وأنوثتها. حيث تتعرض أحياناً لانتقادات مرتبطة بكونها امرأة أو بحياتها الخاصة أو اختياراتها الشخصية، بدل مناقشة أفكارها ومقترحاتها بشكل موضوعي. وهذا الأمر قد يثني بعض النساء عن الانخراط في النقاش العمومي أو التعبير عن آرائهن بكل حرية.
كما أن بعض الصور النمطية ما تزال تختزل أدوار المرأة في مجالات محددة أو تسعى أن تفرضها عليها كالحملة القدحية “كوزينتك” وغيرها، رغم أن النساء أثبتن كفاءتهن وقدرتهن على النجاح في مختلف القطاعات، من السياسة والاقتصاد إلى العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
هل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز حضور المرأة المغربية في النقاش العمومي، أم أنها ما تزال تواجه تحديات في هذا المجال؟
أظن أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في تعزيز حضور المرأة المغربية في النقاش العمومي. حيث أتاحت فضاءات جديدة للتعبير عن الرأي وتقاسم الأفكار والتجارب والوصول إلى شرائح أوسع في المجتمع. واليوم أصبح بإمكان العديد من النساء، سواء كن باحثات أو فاعلات جمعويات أو رائدات أعمال أو مواطنات عاديات، أن يشاركن في النقاش العمومي حول مختلف القضايا المجتمعية وأن يساهمن في التأثيرفي الرأي العام من خلال المحتوى الذي ينشرنه و إن كان ذلك تحت ضغط الاكراهات المجتمعية التي أشرت إليها.
ورغم هذه الفرص المهمة، ما تزال هناك تحديات حقيقية تحد من استفادة جميع النساء أومشاركتهن في هذه المنصات. فاستعمال وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب لا يزال في كثير من الأحيان أكثر انتشاراً بين الرجال منه لدى النساء. كما أن عدداً من النساء، خاصة في بعض الفئات الاجتماعية أو المناطق الهشة، لا يملكن فرصاً متكافئة للولوج إلى العالم الرقمي. ويرتبط ذلك أحياناً بالأمية، أو بضعف التكوين الرقمي، أو بعدم توفر الفرص والامكانيات اللازمة للولوج للشبكة أولاكتساب المهارات التي تسمح لهن باستعمال هذه الوسائل بثقة وفعالية.
لذلك، أعتقد أن الرهان اليوم لا يقتصر فقط على توفير الولوج إلى التكنولوجيا، بل أيضاً على تمكين النساء من المهارات الرقمية والتواصلية اللازمة للتعبير عن آرائهن والدفاع عن أفكارهن. كما أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا واعدة في هذا المجال، إذ يمكن أن يساعد النساء على تحسين مهارات الكتابة والتواصل وصياغة الأفكار وإنتاج المحتوى بلغات مختلفة، مما يساهم في توسيع دائرة مشاركتهن وتأثيرهن في النقاش العمومي. فكلما استثمرنا أكثر في التكوين الرقمي للنساء، كلما كسب المجتمع أصواتا جديدة وأفكارا متنوعة تثري الحوار العمومي وتدعم التنمية والتقدم.
كيف يمكن للمرأة المغربية أن تعزز دورها أكثر في صياغة الرأي العام والمساهمة في التغيير داخل المجتمع؟
في تقديري، يمكن للمرأة المغربية أن تعزز دورها بشكل أكبر في صياغة الرأي العام والمساهمة في التغيير المجتمعي من خلال رافعتين أساسيتين لا غنى عنهما: التعليم والمشاركة السياسية.
أولاً، يظل التعليم هو المدخل الرئيسي للتمكين الحقيقي. حيث لم يعد الأمر يقتصر اليوم على اكتساب المعارف الأكاديمية فقط، بل أصبح من الضروري الاستثمار في المهارات الناعمة مثل التواصل، والقيادة، والتفكير النقدي، والتفاوض، والقدرة على الإقناع. كما أن التحولات الرقمية المتسارعة تجعل من الضروري تمكين النساء من أدوات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة، ليس فقط لاستخدامها في حياتهن المهنية، بل أيضاً للتعبير عن آرائهن، وإيصال أفكارهن، وتعزيز حضورهن وتأثيرهن في الفضاء العام.
أما الرافعة الثانية، بالنسبة لي، فتتمثل في المشاركة السياسية. فعندما نركز على الشخصيات النسائية الأكثر تأثيرا في الرأي العام، نجد أن عددا مهما منها برز من خلال العمل السياسي أو تحمل المسؤوليات العمومية. ومع ذلك، لا تزال الساحة السياسية في المغرب تعرف هيمنة ذكورية نسبية، وهو ما يستدعي تشجيع النساء الكفؤات على الولوج إلى مواقع القرار وعدم وضع العراقيل أمامهن عندما يمتلكن المؤهلات اللازمة لذلك.



