تختزن مسيرة المغرب خلال العقود الأخيرة محطات إصلاحية تركت بصمتها في مختلف مناحي الحياة، وكان للمرأة المغربية نصيب وافر من ثمارها.
وارتبطت هذه المرحلة، منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين سنة 1999، بإطلاق أوراش كبرى مست التشريع، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي، لتتشكل مع مرور السنوات حصيلة راكمت مكاسب نوعية، ووسعت آفاق المشاركة، وعززت مكانة المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
تشريعات أرست حقوقا جديدة
وجاء إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، بتوجيهات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ليشكل نقطة تحول في مسار تحديث التشريعات المرتبطة بالأسرة، بعدما عزز الحقوق والواجبات داخل العلاقة الزوجية، ورفع سن الزواج إلى ثمانية عشر عاما، وأخضع التعدد لشروط قضائية دقيقة، كما وسع حقوق المرأة في عدد من القضايا الأسرية.
وتعززت الحقوق النسائية بدعم إضافي مع دستور سنة 2011، الذي كرس المساواة، ودعا إلى السعي نحو تحقيق المناصفة، كما أرسى مرتكزات دستورية وجهت السياسات العمومية نحو تعزيز مكانة المرأة، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في مختلف المجالات.
إصلاح متواصل لمدونة الأسرة
ويحمل مسار تحديث مدونة الأسرة طابعا متجددا يواكب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. وانطلاقا من هذه الرؤية، أطلق صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، سنة 2023، ورش مراجعة المدونة، موجها بإجراء مشاورات واسعة شاركت فيها المؤسسات الدستورية، والهيئات الدينية، والفعاليات الحقوقية، ومختلف الجهات المعنية بقضايا الأسرة.
وأثمر هذا المسار، خلال سنة 2024، رفع أكثر من مائة مقترح لتعديل مدونة الأسرة، أعقبها تحكيم ملكي في القضايا التي استدعت ذلك، مع إحالة المسائل ذات الصلة بالأحكام الشرعية على المجلس العلمي الأعلى، ترسيخا لمقاربة تجمع بين مقاصد الشريعة الإسلامية، ومقتضيات الدستور، والتطورات التي يعرفها المجتمع المغربي، في أفق استكمال المسار التشريعي داخل البرلمان.
حماية اجتماعية أكثر شمولا
وشهدت السنوات الأخيرة، في إطار الأوراش الاجتماعية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، توسعا في برامج الحماية الاجتماعية، حيث استفادت النساء من تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب برامج تستهدف تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية، خاصة تلك المرتبطة بصحة الأم والطفل.
وجسد هذا الورش بعدا اجتماعيا مهما، لأنه وفر مظلة حماية لشرائح واسعة، وأسهم في التخفيف من الهشاشة، خاصة داخل الأسر ذات الدخل المحدود.
وعرفت منظومة الحماية القانونية بدورها تطورا ملحوظا مع اعتماد القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، إلى جانب إحداث خلايا للتكفل بالنساء داخل عدد من المحاكم والمستشفيات ومراكز الأمن، بما عزز آليات الاستقبال والمواكبة والحماية.
الاستثمار في قدرات النساء
واتجهت السياسات العمومية إلى توسيع فرص التمكين الاقتصادي، عبر دعم التعاونيات النسائية، وتشجيع المقاولات الصغرى، ومواكبة المشاريع المدرة للدخل، خاصة في العالم القروي.
وأسهمت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2005، في مواكبة عدد كبير من هذه المشاريع، كما ساعدت برامج التكوين والتأهيل على تحويل مهارات تقليدية إلى أنشطة اقتصادية تخلق فرص الشغل وتعزز الاستقلال المالي.
وسجل قطاع التعليم بدوره تحولات مهمة، حيث ارتفعت معدلات تمدرس الفتيات، واتسع حضورهن في الجامعات والمعاهد العليا، كما برزت كفاءات نسائية في الطب والهندسة والعلوم والتكنولوجيا، لترتسم صورة جديدة لامرأة تشارك في بناء اقتصاد المعرفة، وتسهم في دفع عجلة الابتكار.
أوراش تتجدد
وتعكس المكتسبات التي راكمتها المرأة المغربية خلال العهد الجديد رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت الاستثمار في الإنسان أساسا للإصلاح، وربطت التقدم بتوسيع الفرص أمام جميع الطاقات.
وتحمل هذه الحصيلة قيمة تتجاوز الأرقام، لأنها تجسد تحولات مست حياة ملايين النساء، ورسخت حضورا أقوى داخل الأسرة، وسوق الشغل، ومختلف فضاءات الإنتاج والعطاء.
يحل عيد العرش كفرصة مواتية لاستحضار هذه المنجزات بثقة، كما يفتح الباب أمام مواصلة الأوراش الرامية إلى تعزيز المشاركة الاقتصادية، وتطوير الحماية الاجتماعية، واستكمال الإصلاحات القانونية، حتى تواصل المرأة المغربية أداء دورها باعتبارها شريكا أساسيا في مسيرة التنمية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
علاء البكري



