“تياترو النساء” يمنح عاملات النظافة صوتا مسرحيا في الرباط

- Advertisement -

 

في قاعات المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، حيث اعتادت عاملات النظافة المرور بصمت بين الكواليس والممرات، حدث شيء مختلف هذا الأسبوع. الأيدي التي أمسكت طويلًا بأدوات العمل اليومي، وجدت نفسها تحت أضواء الخشبة، تحكي قصصًا مؤجلة، وتفتح أبوابًا ظلت موصدة أمام البوح.

هكذا قُدّم، نهاية الأسبوع المنصرم، العرض الرسمي لمشروع “تياترو النساء” بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، في تجربة إنسانية وفنية تروم إدماج عاملات النظافة في عالم المسرح، وتحويل تفاصيل حياتهن اليومية إلى مادة فنية تنبض بالتجربة والذاكرة والكرامة.

حين يصبح المسرح مساحة للبوح

وتميز هذا الموعد الفني بتقديم العرض المسرحي “الزمان”، إلى جانب شريط وثائقي استعاد أبرز محطات المشروع، ورصد التحديات التي واجهت المشاركات منذ الخطوات الأولى، كما اقترب من حياتهن الشخصية، ومخاوفهن، وأحلام ظلت مؤجلة تحت ضغط الواقع اليومي.

ويحمل العرض المسرحي، الذي اختار “الزمان” عنوانًا له، دلالات إنسانية كثيفة، إذ ينسج من الحكايات الواقعية للنساء المشاركات عملًا دراميًا يستدعي الطفولة، والانكسارات، والآمال الصغيرة التي كثيرًا ما تؤجلها قسوة الحياة.

وعبر لوحات فنية امتزج فيها البوح الصادق بلحظات الضحك والدموع، انفتحت الخشبة على تفاصيل يومية ظلت طويلة بعيدة عن الأضواء؛ نساء اعتدن الاشتغال في الظل، وجدن في المسرح نافذة للتعبير، ومساحة تستعيد فيها الذات صوتها وثقتها.

من الكواليس إلى واجهة الضوء

يُسلط العرض الضوء على المفارقة بين روتين العمل الشاق داخل كواليس المؤسسة، والرغبة العميقة لدى هؤلاء النساء في التعبير عن ذواتهن وإثبات حضورهن الإنساني.

ومع توالي المشاهد، يتحول المسرح إلى مرآة شفافة تعكس تجاربهن، وتمنحها معنى جديدًا، حيث يغدو الوقوف فوق الخشبة شكلًا من أشكال الانتصار الرمزي على الانكسارات اليومية.

تجربة بدأت بالثقة قبل التمثيل

هذا، ولم تولد هذه التجربة بين ليلة وضحاها، إذ مر المشروع بعدة مراحل تأسيسية انطلقت ببناء جسور الثقة مع العاملات، عبر تواصل مباشر أتاح الاقتراب من قصصهن وهمومهن.

بعد ذلك، انطلقت ورشات التكوين المسرحي التي أشرف عليها طلبة السنة الرابعة من مسلكي السينوغرافيا والتنشيط الثقافي، حيث تلقت المشاركات تدريبات في الوقوف على الخشبة، والأداء الصوتي، وتقنيات التعبير المسرحي.

كما خُصصت مرحلة للاستماع والدعم النفسي، بهدف فهم التحديات اليومية التي تواجهها النساء المشاركات، وهو ما جعل المسرح يتحول، بالنسبة إليهن، إلى متنفس حقيقي وفضاء آمن لاستعادة الثقة بالنفس.

لطيفة أحرار: الفن يمنح “غير المرئيين” حضورًا إنسانيًا

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، اعتبرت لطيفة أحرار، مديرة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، أن هذا المشروع يمثل ترجمة فعلية للمعارف الأكاديمية إلى ممارسة حية داخل المجتمع.

وأضافت أن الفن يمتلك قدرة خاصة على جعل الأشخاص الذين يعيشون في الظل داخل الفضاءات العامة والخاصة أكثر حضورًا واعترافًا، عبر إعادة صياغة الواقع بطريقة فنية تحترم الكرامة الإنسانية وتمنح مساحة للأصوات المنسية.

“الإنجاز الحقيقي فوق الخشبة”

من جانبه، أوضح الأستاذ بالمعهد والمشرف على المشروع، أيوب آيت بيهي، أن الهدف لم يكن إنتاج مشروع أكاديمي فحسب، وإنما بناء تجربة فنية تنفتح على فئة قريبة من الحياة اليومية للطلبة داخل المؤسسة.

ويرى المشرف على المشروع أن الإنجاز الأهم يتمثل في صعود هؤلاء النساء إلى الخشبة لأول مرة، مع طموح يتجه نحو تقديم العرض خارج أسوار المعهد، حتى تصل الحكايات التي حملتها المسرحية إلى جمهور أوسع.

زهور تفتاف: الخوف تحول إلى شجاعة

وبصوت امتزج فيه الاعتزاز بالمفاجأة، عبرت إحدى المشاركات في العمل المسرحي، زهور تفتاف، عن فخرها بخوض التجربة، مؤكدة أن الفكرة بدت في البداية صعبة وبعيدة عن متناولها، بحكم غياب أي تجربة سابقة في التمثيل.

غير أن التدريبات المتواصلة، التي انطلقت من الصفر، ساعدت على تبدد التوتر تدريجيًا، ليتحول الخوف إلى شجاعة، وفق تعبيرها، مضيفة أن المجموعة باتت مستعدة لتقديم العرض مرة ثانية وثالثة، وفي فضاءات أخرى أيضًا.

تحرير: علاء البكري